مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

5

شرح فصوص الحكم

ثم إنّه يتمشّى مع القرآن في تسلسل آياته في القصص متبعا طريقة التأويل التي أشرنا إليها يخرج من القصّة ثم يعود إليها ثم يخرج منها ويعود إليها شارحا معلّقا ، متفلسفا شاطحا أحيانا مستطردا في أغلب الأحيان . المعروف عن الصوفية أنّهم قوم لا يتكلمون بلسان عموم الخلق ولا يخوضون فيما يخوض فيه النّاس من مسائل علم الظّاهر وإنما يتكلمون بلسان الرمز والإشارة . إما ضنّا بما يقولون على من ليسوا أهلا له ، وإما لأن لغة العموم لا تفي بالتعبير عن معانيهم وما يحسونه في أذواقهم ومواجدهم . أمّا ما يرمزون إليه فحقائق العلم الباطن الذي يتلقونه وراثة عن النبي ، وهذه الحقائق لا يستقل بفهمها عقل ، ولا بالتعبير عنها لغة . وهذان الأمران وحدهما كافيان في تفسير الصّعوبات التي تعترض سبيل الباحث في فهم معاني الصوفية ومراميهم . ولكل ذلك نرى الحذر ألزم ما يلزم الناظر في أقوالهم حين يحللها أو يؤوّلها أو يحكم عليها . فكثيرا ما زلّت أقدام الباحثين في أساليب القوم فصرفوها إلى غير معانيها ، أو حملوها ما لا تحتمل ، أو أخذوها على ظاهرها حيث لا يراد ذلك الظّاهر وهذه المسألة تنبّه إليها القدماء وحذّروا من الوقوع فيها ونصحوا النّاس طلبا للسلامة وصونا للصوفية من أن يتجنى عليهم من ليس منهم ، أن يكفوا عن قراءة كتبهم أو يخوضوا في أقوالهم . وإذا كان استعمال لغة الرّموز والإشارات والتحدث بلسان الباطن من أسباب غموض لغة الصوفية بوجه عام ، فهي كذلك بوجه خاص في لغة ابن عربي فإنّ غموض أسلوبه واستغلاق معانيه قد صار مضرب المثل وأصبحا من الحقائق الّتي يعرف بها « دارسو » التصوف في كل زمان . وليست الصعوبة في فهمه راجعة إلى تعقيد في مذهبه ، فإنه أسهل المذاهب وأيسرها فهما وإنما ترجع إلى الأساليب التي يعبر بها عن هذا المذهب والطرق الغريبة الملتوية التي تختارها لبسطه . وهناك أسباب أخرى أدت إلى تعقيد أسلوبه واستعصاء فهمه منها : أولا : يغلب على الظّن أنّه يعتمد تعقيد التبسيط وإخفاء الظاهر لأغراض في نفسه فعباراته تحتمل في أغلب الأحيان معنيين على الأقل ، أحدها ظاهر وهو ما يشير به إلى ظاهر الشرع . والثاني : باطن وهو ما يشير به إلى مذهبه ولو أن من يعمق النظر في معانيه ويدرك مراميه لا يسعه إلا القول بأنه النّاحية الثانية هي الهدف الذي يرمي إليه . أما ما يذكره مما له صلة بظاهر الشّرع فإنما يقدمه إرضاء لأهل الظاهر من الفقهاء